أبنية – متابعات
سلطت قراءة قانونية حديثة الضوء على أثر غياب عقد الوساطة العقارية المكتوب أو عدم إيداعه لدى الهيئة العامة للعقار على حق الوسيط في المطالبة بعمولته أمام القضاء، في ظل توجه قضائي يميز بين سماع الدعوى وإثبات استحقاق العمولة، مع إمكانية الاستعانة بوسائل الإثبات التي يجيزها النظام.
وأوضحت القراءة، التي نشرها الدكتور عبدالحكيم الخرجي في صحيفة “أملاك”، أن عدم استيفاء متطلبات توثيق عقد الوساطة لا يعني بالضرورة منع الوسيط من اللجوء إلى القضاء، إذ يتوقف الفصل في المطالبة على مدى توافر الأدلة التي تثبت العلاقة التعاقدية وشروط استحقاق العمولة.
نظام الوساطة العقارية يحدد متطلبات توثيق العقود
تنص المادة السابعة من نظام الوساطة العقارية على ضرورة إبرام عقد الوساطة كتابةً، وإيداع نسخة منه لدى الهيئة العامة للعقار، مع عدم جواز الاحتجاج بالعقد إلا بعد استيفاء متطلبات التوثيق والإيداع.
وتهدف هذه الأحكام إلى تنظيم نشاط الوساطة العقارية، وحماية حقوق الأطراف المتعاقدة، وتحديد الالتزامات المتعلقة بالعمولات، بما يسهم في الحد من النزاعات وضمان وضوح التعاملات العقارية.
وتبرز الإشكالية القانونية عند غياب العقد المكتوب أو عدم إيداعه، ومدى تأثير ذلك على حق الوسيط في إقامة دعوى للمطالبة بالعمولة، وما إذا كان الإجراء يمنع سماع الدعوى أو يقتصر أثره على إثبات العلاقة التعاقدية.
قرار للمحكمة العليا يوضح أثر غياب عقد الوساطة العقارية
تناولت القراءة القانونية ما نُشر بشأن قرار المحكمة العليا رقم (8734131)، المؤرخ في 09/02/1448هـ، والمتعلق بدعوى للمطالبة بعمولة وساطة عقارية لم يُودع عقدها لدى الهيئة العامة للعقار.
وبحسب ما نُقل عن أسباب القرار، اتجهت المحكمة إلى أن المادة السابعة من نظام الوساطة العقارية لم ترتب جزاء عدم سماع الدعوى على تخلف الإيداع، وأن اشتراط التوثيق يتعلق بإثبات عقد الوساطة، مع إمكانية الاستعاضة عن الكتابة بوسائل الإثبات المقررة نظامًا.
ويعكس هذا التوجه التمييز بين سماع الدعوى وثبوت الحق، إذ يمكن للمحكمة النظر في مطالبة الوسيط دون أن يعني ذلك الحكم تلقائيًا باستحقاق العمولة، التي تظل خاضعة لتقدير الأدلة والتحقق من استيفاء الشروط النظامية.
نظام الإثبات يتيح بدائل لإثبات العلاقة التعاقدية
أشارت القراءة إلى أن المادة الحادية والخمسين من نظام الإثبات تجيز، في الحالات التي يشترط فيها الإثبات بالكتابة، الاستعانة بالإقرار القضائي أو اليمين الحاسمة أو مبدأ الثبوت بالكتابة المعزز بطريق إثبات آخر.
ويشترط في مبدأ الثبوت بالكتابة أن يستند إلى كتابة صادرة من الخصم تجعل وجود التصرف المدعى به قريب الاحتمال، مع تقديم دليل إضافي يعززها، وفق الضوابط المحددة نظامًا.
وبناءً على ذلك، فإن غياب عقد الوساطة المكتوب لا يؤدي بالضرورة إلى إغلاق باب المطالبة القضائية، لكنه لا يعفي الوسيط من تقديم الأدلة التي تثبت وجود العلاقة التعاقدية والالتزامات الناشئة عنها.
شروط استحقاق عمولة الوساطة العقارية
حددت المادة الرابعة عشرة من نظام الوساطة العقارية الأحكام المنظمة للعمولة، إذ جعلت الأصل في تحملها على الطرف المتعاقد مع الوسيط، وحددت نسبتها النظامية، ما لم يوجد اتفاق كتابي على خلاف ذلك.
كما أوضحت المادة الخامسة عشرة الحالات التي يستحق فيها الوسيط العمولة، ومن بينها إتمام الصفقة العقارية التي توسط فيها وفق عقد الوساطة وخلال المدة المحددة نظامًا.
ولا يكفي إثبات مشاركة الوسيط في إتمام الصفقة للحكم باستحقاق العمولة في جميع الحالات، بل يتعين التحقق من الطرف الملزم بالسداد، ومدى توافر شروط الاستحقاق، وارتباط الصفقة بالعلاقة التعاقدية محل المطالبة.
ويعني ذلك أن سماع الدعوى لا يمنح الوسيط حقًا تلقائيًا في الحصول على العمولة، كما أن إثبات وجود علاقة وساطة لا يغني عن التحقق من بقية المتطلبات النظامية.
توثيق عقود الوساطة يظل التزامًا نظاميًا
أكدت القراءة القانونية أن التوجه القضائي المشار إليه لا يلغي أهمية توثيق عقود الوساطة العقارية أو الالتزام بإيداعها لدى الهيئة العامة للعقار، باعتبارها متطلبات نظامية تهدف إلى حماية حقوق المتعاملين وتنظيم العلاقة بين الوسيط وأطراف الصفقة.
ويسهم التوثيق في تحديد نطاق التكليف ومدته والعمولة المتفق عليها، والحد من المنازعات الناتجة عن غياب المستندات، كما أن إمكانية سماع الدعوى لا تعفي من المسؤولية عن المخالفات التنظيمية متى تحققت شروطها.
ويبرز هذا التوجه أهمية التمييز بين الالتزامات النظامية والآثار المترتبة على مخالفتها، بحيث لا يؤدي عدم استيفاء إجراء التوثيق تلقائيًا إلى منع نظر المطالبة ما لم يوجد سند نظامي لهذا الأثر.
وتؤكد القراءة أن حماية الحقوق في التعاملات العقارية تتطلب تحقيق التوازن بين الالتزام بإجراءات التوثيق وإتاحة الوسائل النظامية لإثبات المطالبات، مع إخضاع استحقاق العمولة لتقدير القضاء وفق الأدلة والأحكام ذات الصلة.

